أحمد بن علي القلقشندي

38

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المصرية ، عند عوده من الكرك ( 1 ) إلى الديار المصرية ، في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ، مهنّئا له بعوده إلى منزله بالديار المصرية ، واستقراره وعوده إلى كتابة السرّ الشريف بالأبواب الشريفة السلطانية ، وهي : تقبّل الباسطة الشريفة - إلى آخر الألقاب - لا زالت خناصر الحمد على فضل بنانها معقودة ، ومآثر البأس والكرم لها ومنها شاهدة ومشهودة ، وبواتر السّيوف مسيّرة القصد إلى مناظرة أقلامها المقصودة ، تقبيلا يودّ لو شافه بشفاهه مورد الجود من الأنامل ، وكاثر بثغره عند المثول للتقبيل ثغور الأماثل ، فكان يشافه بشوقه موردا كثير الزّحام ، وكان يكاثر بعقد قبله على يد الفضل عقودا جزيلة الانتظام ، وكان يحاكم جور الضّيم إلى من أبى اللَّه لجار مشاهدته أن يضام ، وينهي ما وصل إليه وإلى الأولياء من السّرور ، وما رفع بينهم وبين الابتهاج من الشّرور ، وما طولع في أخبار المسرّة من السّطور ، بوصول مولانا ومن معه إلى مساكن العزّ ساكنين ، ودخولهم كدخول يوسف عليه السّلام ومن معه إلى مصر آمنين ، واستقراره في أشرف مكان ومكانة ، واستنصار مصر بأقلامه على العادة ، فإنّ هذه سهام وهذه كنانة ، وإسفار غمام السّفرة عن كوكب علا طالما حرس بيمينه أفق الملك وهداه وزانه ، وما كانت إلَّا غيبة أحمد اللَّه عقباها ، وغيابة بعد منّ اللَّه عزّ وجلّ وجلاها ، وفترة ثنى فترتها فتنفّس خناق المنصب المشتاق لوجهه الكريم ، وهجرة صرف اللَّه هجيرها فسقى طرس الإنشاء الذي ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم ؛ وما محاسن مولانا إلَّا زينة من زين الدنيا فعليها يتشاكس المتشاكسون ، وما مزاج كلماته إلَّا من تسنيم * ( وفِي ) *

--> ( 1 ) الكرك ، بفتح أوله وثانيه : اسم لقلعة حصينة جدّا في طرف الشام من نواحي البلقاء ، وقيل : قرية كبيرة قرب بعلبك . وهي كلمة عجمية - معجم البلدان ( ج 4 ص 453 ) . وذكره ابن فضل اللَّه العمري في كتابه « التعريف بالمصطلح الشريف » ص 183 فقال : يعرف بكرك الشوبك ، وهو حصن الإسلام ، بناه الملك العادل ابن أيوب وشيّد بناءه ووسّع فناءه .